أحمد مصطفى المراغي

160

تفسير المراغي

وخلاصة ذلك - إن الجنة اجتمعت فيها الأسباب التي توجب راحة الإنسان ، وذلك مما يوجب الاهتمام بتحصيل الوسائل التي توجب البقاء فيها ، والابتعاد عما يدعو إلى الخروج منها . وقصارى ذلك - إن لك فيها تمتعا بأنواع المعاش ، وتنعما بأصناف النعم ، من المآكل الشهية ، والملابس البهية . وبعد أن بين أنه عظم آدم وعرفه شدة عداوة إبليس له بين أنه قبل نصحه ، وأكل من الشجرة التي نهى عن الأكل منها فقال : ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ؟ ) أي فألقى الشيطان النصيحة إلى آدم وقال له : هل أدلك على شجرة إن أكلت منها خلدت ولم تمت ، وملكت ملكا لا ينقضى ولا يفنى . ( فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) أي فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها وأطاعا أمر إبليس وخالفا أمر ربهما ، فانكشفت عورتهما وكانت مستورة عن أعينهما ، فشرعا يلزقان ورق التين عليهما ، ليغطيا جسمهما . ( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) أي وخالف أمر ربه ، وتعدى ما لم يكن له أن يتعدى إليه ، من الأكل من الشجرة التي نهاه اللّه عن الأكل منها . ( ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ) أي ثم اصطفاه ربه من بعد معصيته ، ورزقه التوبة والعمل بما يرضيه حين قال هو وزوجه : « رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ » . ( قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) أي قال الرب الذي انتهكت حرمة داره وخولف أمره . انزلا من الجنة إلى الأرض ، أنتما عدو لإبليس وذريته ، وإبليس عدوكما وعدو ذريتكما . ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ) أي فإن يأتكم